المقالات والبحوث
أسباب وشرائط تحقّق المعيّة الإلهية
أسباب وشرائط تحقّق المعيّة الإلهية
................................................
معيّة الله تعالى مع العباد، معيّة علم وقدرة، أي يسمع كلامهم ويرى أعمالهم ويعلم ضمائرهم، فيُجازي العباد حسب علمه جلّ شأنه، سواء كان في عالم الشهادة ( الدنيا ) أم في عالم الآخرة.
وأمّا المؤمنون الكُمّل من عباده، فلهم مزيّة على تلك المعيّة، وهي المُظهرية لأسمائه وصفاته جلّت عظمته، حسب تقرّبهم إلى ساحته عزّ وجلّ، كما في كثير من الروايات، منها روايات النوافل،
فإنّ المؤمن الواقعي مَظهرٌ من مظاهر أسمائه أو صفاته تعالى، لأنّ به ظهرت الصفات السامية والكمالات الخُلقية والمكارم النبيلة الرفيعة... كما قال صلّى الله عليه وآله: " بهم تُرزقون، وبهم تمطرون، وبهم يدفعُ الله البلاء "
فهو ( المؤمن الواقعي ) الجامع لأسمى الصفات وأنبل الكمالات...
ولكنَّ هذه المناقب أو المنازل بل الرُتب السامية، لم تكن وليدة الطينة والطبيعة فقط، بل لا بدّ لها من أسباب وشرائط تؤهل العبد لنيل تلك المقامات والوصول إلى تلك المنازل والقمم، وهي كما قال جلّ شأنه في كتابه الكريم:
{ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ( سورة المائدة الآية 13 )
وإنّما قدّم الصلاة على غيرها لأهمّيتها، وأنّ صلاة العارفين لا يوازيها شيء – وهي ليست كصلاة الغافلين – فإنّها الصلاة الدائمة بين الخالق والعبد، وأنّها الرابطة القويّة بين الباري جلَّ شأنه والمؤمن، وبها تُكشف الظُلَم، وتزول الأستار، وتُرفع الحُجُب.
وهي لا تختصّ بطائفة دون أخرى، فتعمُّ الطبقات كلّها، ولها درجات حسب معرفة العبد وإيمانه، لأنّها المعراج إلى الحقّ، فيستمرُّ العروج ويدوم إلى أن تظهر الحقيقة في نشآتها، ويتجلّى الحقّ كما تجلّى يوم الميثاق.
ولها مراتب حسب أهلية العبد وانقطاعه إلى الله تعالى وبُعده عن المادّة والماديّات، وتقدّم... أنّ السير إلى الكمال والترقّي بالمنازل والرقيّ إلى المقامات، لها مراتب وحظوظ وأنواع، ولكلّ منها أسبابٌ وشرائط، والصلاة جامعة لها.
ولعلّ تركّبها من الطهور والركوع والسجود – كما ورد في بعض الروايات – إيماءٌ إلى ذلك:
• فبالطهارة ترتفع الخاصيّة التي توجب الحجاب عن مشاهدة الحق، لأنّ بها تُزال الأدناس الظاهرة والمعنوية
• كما بالقيام نحوه تعالى تُزال الصفات الماديّة المتعلّقة بالنفس، كالشهوات بأنواعها.
• وبالركوع تزال الأنانية والتكبّر، وبه تسير النفس من أول خطوة إلى أرقاها، فيخضع لله عزّ وجلّ...
• وبالسجود تُزال الأطماع البشريّة الكائنة في النفس والمُرغّب إلى الأهواء النفسانية، وبه تُرغم أنوف الشياطين وتبعّدهم
• كما بالتشهّد ترتفع العلاقة المتعلّقة بما سواه تعالى
فإذا تخلّص العبد من سبل الشيطان ورقى إلى الدرجات مناجياً به جلّت عظمته وشاهداً له، كما قال صلّى الله عليه وآله: " اعبد الله كأنّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنّه يراك " حصلت المعيّة مع المظهريّة، وبانت القاعدة المشهورة لدى العرفاء الشامخين: " قرّة العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود "
وأمّا إيتاء الزكاة، فإنّه إيثار لوجهه عزّ وجلّ، لجلب رضاه والتقرّب لساحته ببذل ما تعلّق به النفس، ولرفع حاجة المؤمن حتّى يسود العدل الاجتماعي الواقعي بين الأفراد.
مع أنّ كلّ ذلك لا بدّ وأن يكون مستنداً إلى العقيدة الخالصة المتعلّقة بالمبدأ جلّ شأنه، وذلك لا يتحقّق إلا بالإيمان بالرسل كلّهم وجميعهم، فمثل هذه العقيدة لها الدخل الكبير في إتيان العمل منزّهاً عن الشوائب والرذائل، فإنّ الإيمان الصحيح الجامع للشرائط والمانع عن الأغيار والنقائص، لا يكون إلا كما قال تعالى: { وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ }
والإيمان برسله تعالى يستلزم نصرتهم وتقويتهم بتطبيق شرائعه وسنّتهم، حتى تصفو النفس وتليق بالصلّة مع الله الواحد الأحد، فحينئذ يقترض الله قرضاً حسناً منه، لأنّه تعالى شهد بعبوديّة مخلوقه، وأنّ المولى الرؤوس الرحيم لا يأنف أن يقترض من عبده، بعدما تخلّى بتكفير سيّئاته، وتحلّى بالمكارم في عالم الشهادة وفي عالم الآخرة، بالدخول في الجنّات التي تجري من تحتها الأنهار بالارتواء منها، وهي نهر المعرفة، ونهر الوصال، ونهر الإشراق، ونهر التحلّي، ونهر التقرّب، ونهر الأنوار وغيرها...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السيد عبد الأعلى السبزواري رضوان الله تعالى عليه
© Alhawza News Agency 2019
